تُكمل الأرجنتين والعالم أجمع اليوم، الأربعاء 26 نوفمبر 2025، خمسة أعوام على رحيل الأسطورة الخالدة دييغو أرماندو مارادونا، الذي وافته المنية في 25 نوفمبر 2020 عن عمر ناهز الستين عاماً إثر سكتة قلبية. ورغم مرور السنين، لا يزال إرث “الفتى الذهبي” يثير موجات عاتية من الشغف والجدل، لا سيما في أروقة المحاكم التي تسعى لكشف ملابسات وفاته وثروته الغامضة.
صرخة الأرجنتين ووفاء نابولي: تخليد لا يهدأ
بقلوبٍ تتذكره كل يوم، كتب المنتخب الأرجنتيني على منصة “إكس” (X) في هذه الذكرى: “لا يموت إلا من يُنسى، وأنت يا دييغو نتذكرك كل يوم”. هذه الكلمات تعكس حالة الارتباط الأبدي بين الأرجنتينيين وأيقونتهم الكروية. وفي خطوة تذكارية مؤثرة، أحيت الأرجنتين الذكرى الخامسة لإصدار عملة فضية تذكارية تحمل تصميمًا خاصًا لـ”هدف القرن”، الذي سجله مارادونا في شباك إنجلترا بمونديال 1986، وذلك تزامنًا مع مرور 40 عامًا على تلك اللقطة التاريخية وقبل كأس العالم 2026.
من جانبها، احتفلت مدينة نابولي الإيطالية، حيث صنع مارادونا مجده الكروي وحصد أول لقبين في تاريخ النادي بالدوري الإيطالي عامي 1987 و1990، بذكرى رحيله بشكلٍ مهيب. ففي مباراتهم ضمن دوري أبطال أوروبا ضد قره باغ الآذري، عُرضت لقطات خاصة لمارادونا على الشاشات العملاقة لملعب “دييغو أرماندو مارادونا”، وتصاعدت هتافات الجماهير “دييغو دييغو” و”لا يوجد سوى مارادونا واحد” في الدقيقة العاشرة، الرقم الأسطوري الذي ارتداه النجم الراحل. وقد أعرب المدير الفني لنابولي، أنطونيو كونتي، عن أمله في أن يحقق فريقه الفوز في هذه المباراة لتخليد ذكرى الأسطورة الحاضرة في أذهانهم دائمًا.

ولم يقتصر التكريم على ذلك، فقد شهدت شوارع نابولي في أواخر أكتوبر الماضي، وبالتحديد في ذكرى ميلاده الخامس والستين، تجمعات حاشدة للآلاف من الجماهير للاحتفال به، حيث جرى عرض تمثال برونزي لمارادونا في استعراض عاطفي حول المدينة، محولاً إياها إلى بحر من اللونين الأزرق والأبيض.
ألغاز الوفاة والثروة: معارك قضائية متواصلة
على صعيد آخر، لا تزال ملابسات وفاة مارادونا محور نزاعات قانونية معقدة. فقد أعلنت محكمة سان إيسيدرو الأرجنتينية عن انطلاق محاكمة جديدة في 17 مارس 2026، بعد أن تم إلغاء الإجراء القضائي الأول في مايو 2025 بسبب “فضيحة مدوية” تمثلت في مشاركة أحد القضاة في تصوير وثائقي حول القضية دون علم الأطراف. يواجه سبعة من أفراد الطاقم الطبي اتهامات تتعلق بـ”القتل العمد مع سبق الإصرار” أو “القتل العمد الاحتمالي”، حيث تُشير التقارير إلى أن مارادونا “تُرك ليموت” وعانى من الألم لمدة 12 ساعة قبل وفاته نتيجة “تهور” الفريق المعالج. ومن المقرر أن تُعقد جلسة تمهيدية في 2 ديسمبر 2025 لمراجعة الأدلة وتحديد قائمة الشهود.
ثروة مفقودة وعلامة تجارية محاصرة
لا تتوقف المعارك عند قضية الوفاة، فإرث مارادونا المالي والقانوني يظل عالقًا بين المحاكم والنزاعات العائلية. وتثير قضية اختفاء 13 مليون دولار تساؤلات حول ثروته الحقيقية، حيث يتهم ورثته، دلما وجيانينا مارادونا، وكيله القانوني السابق، ماتياز مورلا، بالاختلاس والتصرف غير المشروع في هذه الأموال الموزعة في حسابات بنكية دولية. وتشير تقارير صحفية إلى أن ثروة مارادونا المؤكدة لم تتجاوز 6.5 مليون دولار، وهو رقم ضئيل مقارنةً بعقود الإعلانات التجارية الضخمة التي كان طرفًا فيها طوال حياته.
بالإضافة إلى ذلك، هناك صراع مستمر على العلامة التجارية “مارادونا”، حيث حاولت شركة “ساتفيكا” (Sattvica)، التي يترأسها مورلا، تسجيل 147 علامة تجارية باسم النجم بعد وفاته، إلا أن القضاء الأرجنتيني أوقف ذلك مؤقتًا.

قلب عملاق وإرث لا يُمحى
كشفت التقارير الطبية بعد وفاته أن قلب مارادونا بلغ وزنه حوالي 500 جرام، أي ما يقارب ضعف وزن القلب الطبيعي (300 جرام)، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات حول سنوات الجهد البدني الهائل، والمشكلات الصحية المتراكمة، واعتماده على المنشطات والكحول، ودور ذلك في تدهور حالته الصحية.
على الرغم من كل التحديات والجدل الذي أحاط بحياته وبعد مماته، يظل دييغو مارادونا، “الطفل الذهبي”، أيقونة كروية غير مسبوقة. لقد قاد منتخب الأرجنتين للفوز بكأس العالم 1986، وسجل أهدافًا خالدة مثل “يد الله” و”هدف القرن”، كما ألهم نادي نابولي لتحقيق أمجاده التاريخية. ولا يزال تأثيره يتجاوز الملاعب، فهو رمز للموهبة الخارقة والروح الثورية التي لم ترضخ للسلطة، مما يجعله حاضرًا في وجدان الجماهير كـ”فنان” يربطهم بعمق في عوالمهم الداخلية.
وبين تخليد الأوفياء وصرامة المحاكم، يمضي خمسة أعوام على رحيل جسد مارادونا، بينما تبقى روحه وإرثه الأسطوري مصدر إلهام لا ينضب، وجدل لا يهدأ، وتساؤلات تنتظر أجوبة شافية.



