يشهد المشهد الاقتصادي والسياسي في إيطاليا جدلاً محتدماً حول مستقبل احتياطيات البلاد الهائلة من الذهب، التي تُقدر قيمتها بنحو 300 مليار دولار أمريكي، وذلك إثر تعديل مقترح في مشروع ميزانية عام 2026. هذا التعديل، الذي يرمي إلى تأكيد ملكية الدولة لهذه الاحتياطيات، يثير مخاوف جدية بشأن استقلالية البنك المركزي الإيطالي ويدفع بمعاهدات الاتحاد الأوروبي إلى واجهة النقاش.
شرارة الجدل: تعديل “ملك للدولة”
فجّر تعديلٌ واحدٌ في مشروع الميزانية الإيطالية لعام 2026، والذي ينص على أن احتياطيات الذهب الضخمة هي “ملك للدولة”، نقاشاً حاداً في روما. هذا المقترح، الذي أعيد إحياؤه من قبل مشرعين في البرلمان الإيطالي، يستهدف بشكل مباشر الأصول التي يحتفظ بها البنك المركزي الإيطالي، والتي تبلغ حوالي 2452 طناً مترياً من الذهب. تُصنف إيطاليا كصاحبة ثالث أكبر احتياطي وطني من الذهب في العالم، بعد الولايات المتحدة وألمانيا فقط.

صراع السلطات: استقلالية البنك المركزي في خطر
يكمن جوهر النزاع في التضارب بين رغبة الحكومة في الاستفادة من هذه الأصول لدعم الدين العام المرتفع في إيطاليا، والمبدأ الراسخ لاستقلالية البنوك المركزية، والذي تحميه معاهدات الاتحاد الأوروبي. يرى مؤيدو المقترح أن توضيح ملكية الذهب يمكن أن يفتح الباب لاستخدامه في دعم المالية العامة، بينما يحذر خبراء قانونيون بشدة من أن تدخل البرلمان في أصول يديرها البنك المركزي قد يمثل مساساً مباشراً باستقلاليته.
من جانبها، حذرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، مراراً من خطورة التعامل مع السياسة النقدية كحل لأزمات الديون، مؤكدة أن الاستعانة بالبنوك المركزية لتمويل العجز الحكومي يهدد استقلاليتها ويعيد أخطاء تاريخية. هذا التحذير يعكس قلقاً أوروبياً أوسع من أي محاولات لتقويض دور البنوك المركزية. فالذهب، في نظر البنك المركزي الإيطالي، ليس مجرد أصل، بل هو أداة أساسية لدعم الاستقرار المالي ويمكن استخدامه كضمانة في أوقات الأزمات.
الضغوط الأوروبية وتاريخ “الصلاحيات الذهبية”
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تجد فيها روما نفسها في مواجهة مع بروكسل بشأن قضايا تتعلق بالتدخل الحكومي في القطاع المالي. ففي نوفمبر 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية تحذيراً رسمياً لإيطاليا بشأن ما يُعرف بـ “الصلاحيات الذهبية” التي تتمتع بها الحكومة في صفقات الاستحواذ المصرفية، معتبرة إياها انتهاكاً لقانون الاتحاد الأوروبي. هذه السابقة تشير إلى حساسية الاتحاد الأوروبي تجاه أي إجراءات قد تؤثر على استقلالية المؤسسات المالية.
إرث إيطاليا الذهبي: ملاذ آمن عبر الأزمان
تاريخياً، تمتلك إيطاليا ارتباطاً عميقاً بالذهب كـ “ملاذ آمن”. فبعد إعادة بناء احتياطياتها التي سُرقت خلال الحرب العالمية الثانية، حافظت إيطاليا على مخزونها الذهبي على الرغم من الأزمات الاقتصادية المتعددة وزيادة الديون السيادية، رافضةً مراراً دعوات بيع الذهب. فقد وصف سلفاتوري روسي، نائب محافظ بنك إيطاليا السابق، الذهب في كتابه لعام 2018 بأنه “مثل أدوات المائدة العائلية، إنه مثل ساعة الجد الثمينة، إنه الملاذ الأخير في أوقات الأزمات”. هذا الإرث التاريخي يعزز موقف البنك المركزي الذي يرى في الذهب ضمانة مالية حيوية، خاصة في عالم يمر بتحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة.
البحث عن الإيرادات: “ذهب الأسر” على الطاولة أيضاً
وفي سياق سعي الحكومة الإيطالية المحموم لتعزيز إيراداتها، يدرس تعديل آخر في قانون ميزانية 2026 فرض ضريبة لمرة واحدة على الأسر للإعلان عن احتياطياتها من الذهب غير المسجلة. تُقدر قيمة الذهب المملوك للقطاع الخاص في إيطاليا بما يتراوح بين 4500 إلى 5000 طن متري، أي ما يعادل نحو 500 مليار يورو بالأسعار الحالية. ويهدف هذا الإجراء إلى تحقيق أكثر من ملياري يورو للدولة، من خلال السماح للأفراد بدفع ضريبة بنسبة 12.5% على قيمة السبائك الذهبية والمجوهرات والعملات المعدنية النادرة التي لا توجد سجلات شراء لها. هذه الخطوة، رغم اختلافها عن الجدل حول ذهب البنك المركزي، إلا أنها تُسلط الضوء على الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة الإيطالية ورغبتها في الاستفادة من الثروة الذهبية في البلاد.
ومع استمرار النقاشات المحتدمة حول ميزانية 2026، تبقى الأيام القادمة حاسمة لتحديد مصير احتياطيات إيطاليا من الذهب، وما إذا كانت كفة “ملك الدولة” ستترجح على حساب استقلالية البنك المركزي، في معركة قد تكون لها تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة على روما ومكانتها في الاتحاد الأوروبي.



