يَدقّ ناقوس الخطر في الأوساط الطبية العالمية مع تزايد التحذيرات من مرض “القاتل الصامت”، ارتفاع ضغط الدم، الذي يتسلل إلى حياة الملايين دون أعراض واضحة. وفي هذا السياق، تُشير البروفيسورة نانا بوغوسوفا، نائبة المدير العام للمركز الوطني لأبحاث القلب، إلى وجود علامات مبكرة قد تبدو عادية، لكنها في الحقيقة قد تُنذر ببدء ارتفاع مستويات ضغط الدم.
التهديد الصامت: واقعٌ عالميٌ مقلق
يُعرف ارتفاع ضغط الدم بأنه “القاتل الصامت” نظرًا لكونه غالبًا لا يُسبب ظهور أيّة أعراض واضحة، ما يجعل ما يقرب من نصف المصابين به حول العالم لا يدركون حالتهم إلا بعد فوات الأوان. تُظهر التقديرات العالمية أن نحو 1.28 مليار شخص بالغ تتراوح أعمارهم بين 30 و79 عامًا كانوا مصابين بارتفاع ضغط الدم في عام 2024، وهذا يمثل حوالي 33% من هذه الفئة العمرية. وقد تضاعف عدد المصابين من 650 مليون إلى هذا الرقم خلال الثلاثين عامًا الماضية، مع تحوّل عبء المرض بشكل كبير من البلدان الغنية إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

وعلى الرغم من أن ارتفاع ضغط الدم يُصيب البالغين بشكل شائع، إلا أن دراسة حديثة نُشرت في نوفمبر 2025 بدورية “ذا لانسيت لصحة الطفل والمراهق” كشفت عن تضاعف معدلات الإصابة بين الأطفال والمراهقين عالميًا، حيث ارتفعت من حوالي 3% في عام 2000 إلى أكثر من 6% في عام 2020، ليبلغ عدد المتأثرين نحو 114 مليون طفل ومراهق. وقد نبهت الدراسة إلى وجود حالات “ارتفاع ضغط الدم المقنع”، حيث تبدو القراءات طبيعية في العيادة ولكنها مرتفعة في المنزل، مما يزيد من صعوبة الكشف المبكر.
كشف علامات الإنذار المبكرة: لا تتجاهل الإشارات الخفية
تُحذر البروفيسورة بوغوسوفا من أن العلامات التي قد تُنسب عادةً إلى التعب أو الإجهاد، يمكن أن تكون مؤشرات لارتفاع ضغط الدم. هذه الأعراض، رغم خفائها، تستدعي الانتباه الفوري لأنها قد تكون بداية لمشكلة صحية خطيرة:
أعراضٌ تستحق المراجعة الطبية:
* الصداع والدوار: يُعد الصداع المتكرر، خاصة في الصباح الباكر أو بعد النشاط البدني، من العلامات المبكرة لارتفاع الضغط، بالإضافة إلى الشعور بالدوخة أو عدم الاستقرار، خاصة عند الوقوف فجأة.
* اضطرابات الرؤية والطنين: قد يُلاحظ المصابون تشوشًا في الرؤية، أو ظهور بقع وتوهجات، أو حتى طنينًا في الأذنين.
* ألم الصدر وضيق التنفس: قد يشعر بعض الأشخاص بتسارع ضربات القلب أو انزعاج في الصدر، بالإضافة إلى ضيق في التنفس حتى عند بذل مجهود بدني بسيط.
* نزيف الأنف: النزيف الأنفي المتكرر قد يكون دليلاً على ارتفاع مقلق وخطر في ضغط الدم.
* التعب والإرهاق: الشعور بالتعب الشديد والضعف السريع دون مجهود كبير، وتقلبات المزاج والقلق، واضطرابات النوم، يمكن أن تكون جميعها علامات خفية.
* أعراض أخرى: قد تشمل الأعراض الأقل شيوعًا الغثيان، القيء، وجود دم في البول، والشعور بالنبض في الصدر أو الرقبة أو الأذن.
تُؤكد البروفيسورة بوغوسوفا على أن خطر حدوث مضاعفات القلب والأوعية الدموية لا يعتمد على ما إذا كان الشخص يشعر بارتفاع ضغط الدم أم لا، مما يُبرز أهمية عدم تجاهل أي من هذه العلامات التحذيرية.
ما وراء الأعراض: عوامل الخطر وطرق الوقاية
لا يزال السبب المباشر لارتفاع ضغط الدم غير معروف في معظم الحالات (يُعرف بالارتفاع الأولي)، ولكن هناك عوامل عديدة تزيد من خطر الإصابة به. تشمل هذه العوامل التقدم في العمر، الاستعداد الوراثي، زيادة الوزن والسمنة (حيث تزيد السمنة من خطر الإصابة بنسبة 19% لدى الأطفال والمراهقين)، قلة النشاط البدني، اتباع نظام غذائي غني بالملح، والإفراط في استهلاك الكحول.

كما أن بعض الحالات الطبية مثل السكري، أمراض الكلى المزمنة، انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، تضيّق الشرايين، الذئبة الحمراء، وبعض المشاكل الهرمونية، يمكن أن تُسهم في ارتفاع ضغط الدم الثانوي. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤثر عوامل مثل التوتر المزمن والتعرض للانفعالات النفسية على مستويات الضغط.
الدور الحيوي للفحوصات الدورية والتشخيص المبكر
تظل الطريقة الوحيدة والموثوقة للكشف عن ارتفاع ضغط الدم هي قياسه بانتظام. فالاكتشاف المبكر أمر بالغ الأهمية لتقليل مخاطر المضاعفات التي قد يُسببها المرض، والتي تشمل أمراض القلب (مثل النوبات القلبية وفشل القلب وتضخم عضلة القلب)، والسكتات الدماغية، والفشل الكلوي، وتلف الأوعية الدموية، ومشاكل في العين، وحتى التدهور المعرفي. فقياس ضغط الدم بانتظام يُمكّن من التدخل العلاجي والوقائي في الوقت المناسب.

ويُوصى بقياس ضغط الدم مرتين يوميًا، صباحًا ومساءً، لمدة أسبوع في المنزل لتشخيص حالات ارتفاع ضغط الدم الخفي، خاصة إذا كانت القراءات تتجاوز 135/85 ملم زئبقي. وتؤكد وزارة الصحة المصرية على أهمية المبادرات الحكومية لفحص وعلاج الأمراض المزمنة، داعية المواطنين للاستفادة منها للكشف المبكر والمتابعة المجانية.
خطة عمل للتعايش مع ارتفاع ضغط الدم والوقاية منه
يُشدد الخبراء على أن تغيير نمط الحياة يُشكل حجر الزاوية في الوقاية من ارتفاع ضغط الدم والسيطرة عليه. وتشمل هذه التغييرات ما يلي:
* النظام الغذائي الصحي: الإكثار من الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة، والحد من تناول الملح (يُساهم خسارة كيلوغرام واحد في خفض الضغط بمعدل 1 ملم زئبقي)، والدهون المشبعة والمتحولة، وزيادة البوتاسيوم.
* النشاط البدني المنتظم: ممارسة الرياضة لمدة 30 دقيقة يوميًا (تساهم في خفض الضغط بمعدل 5-8 ملم زئبقي)، بما في ذلك تمارين القوة مرتين أسبوعيًا.
* الحفاظ على وزن صحي: فقدان الوزن الزائد يساهم بشكل كبير في خفض ضغط الدم.
* الإقلاع عن التدخين وتقليل الكحول: التدخين يرفع ضغط الدم، والإقلاع عنه ضروري. كما أن الحد من استهلاك الكحوليات يُساهم في خفض الضغط.
* إدارة التوتر والنوم الكافي: التحكم في القلق والتوتر، والحصول على قسط كافٍ من النوم (ما لا يقل عن 6 ساعات ليلًا)، كلها عوامل تساعد في الحفاظ على مستويات ضغط الدم طبيعية.
يُؤكد الأطباء أن الالتزام بالأدوية الموصوفة، حتى بجرعات صغيرة، أمر حيوي للمرضى الذين تم تشخيصهم، فـ81% من حالات ارتفاع ضغط الدم في بعض البلدان غير مسيطر عليها بسبب عدم امتثال المرضى للعلاج. إن المتابعة المستمرة مع الطبيب وتطبيق هذه النصائح هي السبيل الأمثل لتجنب المضاعفات الخطيرة وضمان حياة صحية.”.



