تستعدّ إنجلترا لمرحلة تحوّل جذرية في قطاعها السياحي، حيث يلوح في الأفق مقترح حكومي لمنح رؤساء البلديات صلاحيات لفرض ضريبة على الإقامات الليلية، وهو ما يضع المدن الإنجليزية على قدم المساواة مع نظيراتها الأوروبية التي طالما طبقت مثل هذه الرسوم. ومن المتوقع أن تُعلن هذه السياسة رسميًا في الميزانية القادمة، الأمر الذي سيُحدث تداعيات واسعة على المسافرين وصناعة الضيافة على حد سواء.
المقترح الجديد: ضريبة على كل ليلة سياحية
يُشير المقترح الجديد إلى نية الحكومة البريطانية تمكين رؤساء البلديات في إنجلترا من فرض “ضريبة زوار محلية” على الإقامات الليلية في الفنادق والوحدات السكنية المؤجرة عبر منصات مثل “إير بي إن بي” (Airbnb). تهدف هذه الخطوة إلى توفير مصادر تمويل جديدة ومستدامة لتعزيز البنية التحتية المحلية، وتحسين الخدمات العامة، ودعم البرامج الثقافية، وتطوير أنظمة النقل، مما يسهم في تحسين التجربة السياحية الشاملة. وتُعد إنجلترا حاليًا استثناءً ضمن دول مجموعة السبع لعدم وجود ضريبة سياحية لديها، على عكس العديد من الدول المتقدمة.

مانشستر وإدنبرة تسبقان الركب: نماذج أولى لـ “رسوم الزوار”
وعلى الرغم من أن إنجلترا كانت تفتقر إلى آلية قانونية مركزية لفرض هذه الضرائب، فقد بادرت بعض المدن بالفعل بتطبيق نماذج خاصة بها:
مانشستر: تجربة رائدة ناجحة
\تُعد مدينة مانشستر أول مدينة في المملكة المتحدة تُطبّق رسومًا على الزوار، حيث فرضت “رسوم زوار المدينة” (City Visitor Charge) بقيمة جنيه إسترليني واحد لكل غرفة في الليلة الواحدة، وذلك منذ أبريل 2023 عبر منطقة تحسين أعمال الإقامة (ABID). وقد حقق هذا المخطط نجاحًا كبيرًا، حيث جمع ما يقرب من 2.8 مليون جنيه إسترليني في عامه الأول، وتُستثمر هذه الأموال مباشرة لدعم قطاع السياحة المحلي، وتنظيم الفعاليات، وتحسين نظافة الشوارع، وإنشاء فعاليات جديدة جاذبة.
إدنبرة وويلز: ضرائب حكومية قادمة
وفي اسكتلندا، تستعد إدنبرة لتطبيق ضريبة سياحية رسمية بنسبة 5% على تكلفة الإقامة الليلية بدءًا من 24 يوليو 2026. وستطبق هذه الضريبة على جميع أنواع الإقامات، من الفنادق الفاخرة إلى بيوت الضيافة والشقق المستأجرة، وستكون محددة بحد أقصى لأول خمس أو سبع ليالٍ من الإقامة. ومن المتوقع أن تُدر هذه الضريبة حوالي 50 مليون جنيه إسترليني سنويًا، وقد تصل إلى 100 مليون جنيه إسترليني بحلول عام 2030، تُخصص لتحسين البنية التحتية، والإسكان، والثقافة، والفعاليات. كما وافقت غلاسكو وأبردين في اسكتلندا على رسوم مماثلة تُتوقع أن تُطبق في عام 2027.
أما في ويلز، فقد صدر تشريع في يوليو 2025 يسمح للمجالس المحلية بفرض ضريبة زوار ثابتة تبلغ 1.30 جنيه إسترليني للفرد في الليلة الواحدة لمعظم أنواع الإقامة، و75 بنسًا للمخيمات، وذلك اعتبارًا من أبريل 2027.
لندن على أعتاب التغيير: تقديرات وإيرادات متوقعة
تُشير التوقعات إلى أن لندن، التي استقبلت 89 مليون إقامة ليلية في عام 2024، ستنضم قريبًا إلى قائمة المدن البريطانية التي تفرض ضريبة سياحية. وقد رحب عمدة لندن، صادق خان، بحذر بهذا التوجه، مؤكدًا أن السياح في المدن الأوروبية لا يمانعون دفع مبالغ بسيطة تُخصص لدعم السياحة. وتُقدر بلدية لندن أن فرض ضريبة ثابتة بقيمة جنيه واحد لليلة قد يدرّ حوالي 91 مليون جنيه إسترليني سنويًا، في حين أن تطبيق ضريبة بنسبة 5% يمكن أن يصل بالإيرادات إلى 240-250 مليون جنيه إسترليني سنويًا. ومن المتوقع أن تدخل هذه الضريبة حيز التنفيذ في لندن بحلول أبريل 2027.
صيحات تحذير من “ضريبة العطلات الضارة”
لم يُقابل هذا التوجه بإجماع، حيث أعربت مجموعات الضيافة في المملكة المتحدة، وعلى رأسها “يو كيه هوسبيتاليتي” (UKHospitality)، عن معارضتها الشديدة للمقترح. ووصفت هذه المجموعات الضريبة المقترحة بأنها “ضريبة عطلات ضارة” قد تُثقل كاهل المستهلكين البريطانيين بنحو 518 مليون جنيه إسترليني إضافية سنويًا، مما سيرفع فعليًا نسبة ضريبة القيمة المضافة (VAT) على العطلات المحلية إلى 27%، لتصبح من بين الأعلى في أوروبا. ويُحذر المعارضون من أن هذه الزيادة ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار ودفع معدلات التضخم نحو الأعلى، وقد تدفع السياح إلى اختيار وجهات أخرى، لا سيما أن القطاع يعاني بالفعل من ارتفاع التكاليف التشغيلية.

بريطانيا في مواجهة “الواقع العالمي”: مقارنة بمدن أوروبا
تُعَدّ هذه الخطوة محاولة من المملكة المتحدة للحاق بالركب العالمي، حيث تفرض عشرات المدن الأوروبية والعالمية ضرائب سياحية منذ سنوات. فمدن مثل باريس ونيويورك وميلانو وأمستردام وبرلين وبرشلونة وطوكيو ولشبونة وبراغ تطبق بالفعل رسومًا تتراوح عادة بين 1.50 يورو إلى 10 يورو لكل ليلة، أو نسبة مئوية من فاتورة الفندق. وتشير الأبحاث إلى أن الرسوم “المعقولة” لها تأثير ضئيل على أعداد الزوار.
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه بريطانيا تحديات أخرى لجاذبيتها السياحية، منها إلغاء التسوق المعفى من ضريبة القيمة المضافة للسياح في عام 2021، مما أدى إلى تحول آلاف المسافرين الأثرياء إلى وجهات أوروبية أخرى مثل فرنسا وإيطاليا للتسوق. كما تُعد رسوم التأشيرات البريطانية مرتفعة بالفعل مقارنة بالعديد من الدول الأوروبية.
تداعيات متوقعة على المسافرين والقطاع السياحي
سيواجه المسافرون إلى إنجلترا زيادة في التكاليف الإجمالية لإقاماتهم الليلية، سواء كانوا سياحًا أو زوارًا لأغراض العمل. ومن المتوقع أن تُضاف هذه الضريبة مباشرة إلى فاتورة الإقامة. وفي حين يرى المؤيدون أن الإيرادات ستعزز البنية التحتية وتجربة الزوار، يخشى المعارضون من أن تضر هذه الرسوم بقدرة بريطانيا على المنافسة كوجهة سياحية، خاصة مع استمرار التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.



