يشهد سوق الفضة العالمي اضطرابًا حادًا بعد أن تراجعت المخزونات الصينية إلى أدنى مستوياتها في عقد، في ظل شحن كميات ضخمة مؤخرًا إلى لندن، أحد أهم المراكز العالمية لتجارة المعادن الثمينة، لتخفيف الضغط الذي دفع الأسعار إلى مستويات قياسية. تأتي هذه التطورات المقلقة، التي كشفت عنها بلومبيرغ اليوم الأربعاء 26 نوفمبر 2025، في وقت يواجه فيه السوق العالمي عجزًا مستمرًا في المعروض وسط تزايد غير مسبوق في الطلب الصناعي والاستثماري.
تراجع تاريخي يثير القلق في المخزونات الصينية
وصلت مخزونات الفضة في المستودعات المرتبطة ببورصة شنغهاي للعقود الآجلة مؤخرًا إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2015، وهو ما يعكس عمق الأزمة التي تضرب ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ولم يقتصر التراجع على الفضة فحسب، بل عادت أحجام تداول بورصة شنغهاي للذهب أيضًا إلى أدنى مستوياتها في أكثر من تسع سنوات، وفقًا لبيانات البورصات وشركات الوساطة.
وجاء هذا الانخفاض الحاد بعد أن قفزت صادرات الصين من المعدن النفيس إلى أكثر من 660 طنًا في أكتوبر الماضي، وهو أعلى حجم شهري مسجل على الإطلاق. وقد أسهم هذا الارتفاع الكبير في الصادرات بتقليص الكميات المتاحة داخل السوق المحلية الصينية بشكل كبير، مما أثار مخاوف بشأن قدرة البلاد على توفير دعم للسوق في المدى القريب.

دوافع النقص الحاد في المعروض العالمي
لا يمكن عزل أزمة نقص الفضة عن جملة عوامل اقتصادية وجيوسياسية متداخلة تدفع بالطلب إلى مستويات غير مسبوقة:
الطلب الصناعي المتزايد يقود العجز
يُعدّ الطلب الصناعي المحرك الرئيسي وراء العجز الحالي، مدفوعًا بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والرقمنة. وتُستخدم الفضة بكثافة في صناعة الألواح الشمسية، التي تستهلك كميات هائلة من المعدن في الخلايا الكهروضوئية، بالإضافة إلى قطاعات الإلكترونيات، وشبكات الجيل الخامس، وإنترنت الأشياء، والسيارات الكهربائية. وقد وصل الطلب الصناعي العالمي على الفضة إلى مستوى قياسي بلغ حوالي 680 مليون أونصة في عام 2024، وظل ثابتًا تقريبًا في عام 2025، مما يساهم في فجوة العرض الكبيرة.
تزايد الطلب الاستثماري والمخاوف الجيوسياسية
كما ازداد اهتمام المستثمرين بالفضة في النصف الأول من عام 2025، مع تدفقات صافية كبيرة إلى صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالفضة، مدفوعة بتوقعات خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأخرى. وتلعب المخاطر الجيوسياسية المتزايدة دورًا في دفع المستثمرين نحو المعادن الثمينة كملاذات آمنة، مما يعزز الطلب على الفضة.

تحولات داخل السوق الصيني والهندي
على صعيد آخر، ساهمت تعليمات صينية جديدة لتنظيم تداول الذهب خارج البورصات في تحويل العديد من المستثمرين والتجار إلى سوق الفضة كبديل، مما أدى إلى تضخم الطلب المحلي بشكل مفاجئ. وفي الهند، شهد موسم الأعياد، خاصة ديوالي، طفرة في الطلب على الفضة، مما أضاف ضغطًا كبيرًا على المعروض العالمي.
لندن في قلب العاصفة وتكلفة اقتراض الفضة تقفز
أفادت بلومبيرغ أن شحنات الفضة الهائلة من الصين إلى لندن تهدف إلى تخفيف الضغط الذي دفع الأسعار إلى مستويات قياسية. وقد أشار زيغي وو، المحلل في شركة “جينروي فيوتشرز”، إلى أن النقص الحالي ناتج عن ارتفاع الصادرات إلى لندن، متوقعًا أن يبدأ التخفيف خلال نحو شهرين.
وشهد سوق لندن، وهو مركز عالمي رئيسي لتسعير الفضة، أزمة سيولة غير مسبوقة، حيث اضطر بعض المتعاملين إلى اللجوء لخطوة نادرة تمثلت في شحن سبائك الفضة جوًا من مستودعات “كومكس” في نيويورك إلى لندن للاستفادة من الفارق السعري الكبير بين السوقين ولتغطية المراكز المكشوفة. وارتفعت تكاليف الاقتراض الليلي للفضة في لندن بشكل حاد، حيث قفزت إلى ذروة غير مسبوقة بلغت 34.9% في التاسع من أكتوبر، قبل أن تتراجع لاحقًا إلى 5.6%، مما يدل على شدة أزمة السيولة ثم انحسارها نسبيًا.
قفزات سعرية قياسية وتوقعات مستقبلية
شهدت الفضة عامًا مضطربًا، حيث ارتفعت أسعارها بنسبة 80% هذا العام، محطمة سلسلة من المستويات القياسية. وفي أحدث التطورات، تجاوز سعر الأونصة 52 دولارًا، ولامس مستوى 54.471 دولارًا في 17 أكتوبر 2025. وقد تفوقت الفضة في أدائها على الذهب، حيث ارتفعت بنحو 20% بحلول الربع الثالث من عام 2025، مقارنة بارتفاع الذهب بنحو 15%.
تتوقع شركة ميتالز فوكس أن يظل عجز سوق الفضة كبيرًا في عام 2025. ويُتوقع أن يتراوح متوسط أسعار الفضة بين 33 و37.50 دولارًا هذا العام، مع احتمالية وصولها إلى نطاق يتراوح بين 40 و41 دولارًا للأونصة في حال تجاوز مستويات المقاومة الرئيسية. وبعض التوقعات الأكثر طموحًا تشير إلى إمكانية وصول سعر الفضة إلى 50-70 دولارًا في عام 2025 إذا ما خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بشكل حاد واستمر الطلب على الطاقة الشمسية في الارتفاع. على المدى الطويل، يشير بعض المحللين إلى إمكانية وصول الفضة إلى 50 دولارًا بحلول عام 2027، وربما أعلى بحلول عام 2030، مدفوعة بشكل أساسي بالطلب المتزايد من قطاع الطاقة الشمسية، الذي قد يستنفد ما بين 85% إلى 98% من الاحتياطيات العالمية للفضة بحلول عام 2050.
يجمع الخبراء على أن أزمة الفضة العالمية باتت جزءًا من واقع اقتصادي يفرض نفسه على الأسواق، مع توقع استمرار النقص في المعروض العالمي حتى أواخر عام 2026 على الأقل.



