أثارَ قرارٌ رئاسيٌّ لبنانيٌّ بمنحِ رئيسِ الاتحادِ الدوليِّ لكرةِ القدمِ (الفيفا)، جياني إنفانتينو، الجنسيةَ اللبنانيةَ في السادسِ والعشرينَ من تشرينَ الثاني 2025، عاصفةً من الانتقاداتِ الشعبيةِ والحقوقيةِ الواسعةِ في البلادِ، مسلطاً الضوءَ مجدداً على قوانينِ الجنسيةِ التمييزيةِ التي تحرمُ المرأةَ اللبنانيةَ من حقِّها في نقلِ جنسيتِها لأبنائها وأزواجِها الأجانبِ.
مرسومٌ استثنائيٌّ وتكريمٌ رياضيٌّ يُقابلُ بالرفض
فقد استقبلَ الرئيسُ اللبنانيُّ، جوزاف عون، السيدَ إنفانتينو في القصرِ الجمهوريِّ ببيروتَ، وأبلغَهُ الموافقةَ على منحِهِ الجنسيةَ اللبنانيةَ، في خطوةٍ وصفتْها مصادرُ رسميةٌ بأنها “تحملُ بعداً رمزياً يؤكدُ تقديرَ لبنانَ للدورِ الذي يؤديهِ إنفانتينو على مستوى تطويرِ اللعبةِ ودعمِهِ المستمرِّ لكرةِ القدمِ اللبنانيةِ”. وجاءَ هذا القرارُ ضمنَ زيارةٍ لإنفانتينو استغرقتْ يومينِ للبنانَ، رافقتهُ خلالَها زوجتُهُ اللبنانيةُ الأصلُ، لينا الأشقر، ما أضافَ بعداً شخصياً وعائلياً للخطوةِ. وقد أعربَ إنفانتينو عن سعادتِهِ البالغةِ، مؤكداً أنه “يشعرُ بأنه لبنانيٌّ منذُ سنواتٍ عديدةٍ”، ووعدَ بالعملِ على “بناءِ ملعبٍ بمواصفاتٍ عالميةٍ” يُقدمُ للبنانَ والاتحادِ اللبنانيِّ لكرةِ القدمِ. من جانبِها، رحبتْ وزيرةُ الشبابِ والرياضةِ، لورا بيرقداريان، بالقرارِ، واصفةً إياه بـ”المميزِ”، ومؤكدةً أن الرغبةَ في الحصولِ على الجنسيةِ أتتْ من إنفانتينو نفسِهِ.

وعودٌ بتطويرِ البنيةِ التحتيةِ
وفي سياقِ هذهِ الخطوةِ، وعدَ الرئيسُ عون بتأمينِ قطعةِ أرضٍ مخصصةٍ للاتحادِ اللبنانيِّ لكرةِ القدمِ لإنشاءِ ملعبٍ تدريبيٍّ ومقرٍّ حديثٍ للاتحادِ، بهدفِ تطويرِ البنيةِ التحتيةِ الكرويةِ ودعمِ مسارِ اللعبةِ على المدى الطويلِ، مؤكداً أن الدولةَ ستواكبُ هذا المشروعَ بكلِّ التسهيلاتِ اللازمةِ. كما قدمَ إنفانتينو كرةَ كأسِ العالمِ 2026 تحملُ اسمَ الرئيسِ عون، وهدايا تذكاريةً باسمِ “الفيفا”، تأكيداً للعلاقةِ المتينةِ بينَ الاتحادِ الدوليِّ ولبنانَ.
عاصفةُ غضبٍ حقوقيةٍ: “حقوقُ المرأةِ اللبنانيةِ تُنتهكُ مجدداً”
وعلى الرغمِ من الترحيبِ الرسميِّ بقرارِ منحِ الجنسيةِ، إلا أنه فجَّرَ موجةً واسعةً من الانتقاداتِ، لا سيما من قبلِ ناشطاتٍ ومنظماتٍ حقوقيةٍ تُدافعُ عن حقوقِ المرأةِ في لبنانَ. فقد أعادَ القرارُ إلى الواجهةِ النقاشَ الحادَّ حولَ قانونِ الجنسيةِ اللبنانيِّ، الذي يُعتبرُ “تمييزياً”، كونهُ يمنعُ المرأةَ اللبنانيةَ من منحِ جنسيتِها لزوجِها الأجنبيِّ وأطفالِها، بينما لا يُواجهُ الرجلُ الأجنبيُّ المتزوجُ من لبنانيةٍ، أو الذي تربطُهُ علاقاتٌ بالبلادِ، نفسَ العوائقِ.
وفي هذا السياقِ، ذكرتْ منظمةُ “شريكةٌ ولكنْ” لحقوقِ المرأةِ، أن “في الوقتِ الذي يُكرّمُ فيهِ لبنانُ الشخصياتِ الدوليةَ، تبقى آلافُ النساءَ اللبنانياتِ غيرَ قادراتٍ على منحِ الجنسيةِ لأطفالِهِنَّ”. وتُشيرُ المنظمةُ إلى أن “حتى يومَنا هذا، لا تستطيعُ المرأةُ اللبنانيةُ منحَ جنسيتِها لزوجِها أو لأطفالِها”، وهو ما وصفهُ أحدُ المنتقدينَ على إنستغرامَ بالقولِ: “يحصلُ أشخاصٌ لا تربطُهم أيُّ صلةٍ ببلدِنا على الجنسيةِ في لمحِ البصرِ، بينما لا يزالُ حقُّ الأمِّ في منحِ أطفالِها جنسيةَ بلدِها، أمراً محرماً بدونِ منطقٍ”. تُقدرُ دراسةٌ سابقةٌ أجراها صندوقُ الأممِ المتحدةِ الإنمائيِّ في عامِ 2008 عددَ المتأثرينَ بهذهِ القوانينِ بأكثرَ من 77,400 شخصٍ.

ازدواجيةٌ قانونيةٌ ومخاوفُ من الاستثناءات
تُجيزُ المادةُ 15 من الدستورِ اللبنانيِّ لرئيسِ الجمهوريةِ إصدارَ مرسومِ تجنيسٍ استثنائيٍّ في حالاتٍ خاصةٍ، وهو ما استندَ إليهِ في منحِ إنفانتينو الجنسيةَ. إلا أن هذا الأمرَ يثيرُ تساؤلاتٍ حولَ الشروطِ التي تُطبقُ على المواطنينَ العاديينَ، والتي غالباً ما تتطلبُ إقامةً فعليةً غيرَ منقطعةٍ لمدةِ عشرِ سنواتٍ للأجنبيِّ، أو خمسِ سنواتٍ للمتزوجِ من لبنانيةٍ، ليُمنحَ الجنسيةَ بمرسومٍ عاديٍّ. هذهِ الازدواجيةُ في المعاييرِ تُعمّقُ الشعورَ بالظلمِ بينَ فئاتٍ واسعةٍ من المجتمعِ اللبنانيِّ.
“إنني لبنانيٌّ منذُ سنواتٍ” – إنفانتينو
يُذكرُ أن جياني إنفانتينو (55 عاماً)، يحملُ الجنسيتينِ السويسريةَ والإيطاليةَ، وقد أكدَ لمصادرَ إعلاميةٍ محليةٍ أن “نصفَهُ لبنانيٌّ”، معبراً عن رغبتِهِ في بناءِ ملعبٍ بمواصفاتٍ عالميةٍ للبنانَ، في مسعىً لتعزيزِ اللعبةِ في البلادِ. هذا الجدلُ المتصاعدُ يُعيدُ التأكيدَ على ضرورةِ إصلاحِ قانونِ الجنسيةِ اللبنانيِّ ليُحققَ العدالةَ والمساواةَ لجميعِ المواطنينَ، ويُنهي تمييزاً طالَ أجيالاً.



