يشهد قلب أوروبا، بلجيكا، اضطراباً واسع النطاق، ففي يوم الأربعاء الموافق 26 نوفمبر 2025، تعطلت الحياة العامة بشكل شبه كامل، إيذاناً بذروة إضراب وطني استمر لثلاثة أيام، دعا إليه كبرى النقابات العمالية احتجاجاً على ميزانية 2026 وما تصفه بـ “التفكيك الاجتماعي” الذي تخطط له حكومة رئيس الوزراء بارت دي ويفر.
شلل يضرب شرايين الحياة البلجيكية
بدأ الإضراب في 24 نوفمبر بوتيرة تصاعدية، ليبلغ ذروته بشلل شامل يوم الأربعاء 26 نوفمبر. وأفادت التقارير بتوقف شبه كامل لخدمات النقل العام، بما في ذلك المترو والترام والحافلات، وتأثرت بشدة حركة السكك الحديدية؛ حيث أعلنت شركة السكك الحديدية البلجيكية (SNCB) عن تسيير قطار واحد فقط من كل اثنين أو حتى ثلاثة على بعض الخطوط الرئيسية. كما ألغيت العديد من رحلات قطارات “يوروستار” الرابطة بين بروكسل وباريس.

وعلى صعيد حركة الطيران، شهد مطار بروكسل الدولي (زافينتيم) ومطار شارلروا، وهما المطاران الرئيسيان في البلاد، إلغاء غالبية الرحلات التجارية، إن لم يكن جميعها، بسبب النقص الحاد في موظفي الأمن المشاركين في الإضراب. وألغى مطار بروكسل جميع الرحلات المغادرة، بالإضافة إلى 110 من أصل 203 رحلات واردة مجدولة يوم الأربعاء.
غضب نقابي ضد “التفكيك الاجتماعي”
تأتي هذه التحركات الاحتجاجية، التي وصفتها النقابات بـ “التفكيك الاجتماعي”، رداً على خطط الحكومة البلجيكية لإعادة التوازن للمالية العامة للبلاد، والتي تعاني من أحد أعلى مستويات الدين العام في منطقة اليورو. وتستهدف الإصلاحات المقترحة نظام التقاعد وسوق العمل وإعانات البطالة والرعاية الاجتماعية.
مطالب النقابات الرئيسية:
* إصلاحات التقاعد: ترفض النقابات رفع سن التقاعد إلى 67 عاماً بدلاً من 65، وتعارض نظام “المكافأة-العقوبة” الذي قد يؤدي إلى خفض معاشات العمال الذين لم يستوفوا سنوات العمل الكافية، لاسيما النساء اللواتي انقطعن عن العمل لرعاية الأسرة.
* تراجع القوة الشرائية: تعرب النقابات عن قلقها من خطط زيادة ضرائب القيمة المضافة وضرائب الاستثمارات، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
* تقليص الدعم الاجتماعي: تنتقد النقابات التوجه نحو تقليص مخصصات الضمان الاجتماعي وتقليص مدة الاستفادة من إعانات البطالة.
* نقص تمويل القطاع العام: انضم معلمون وعاملون في قطاع الصحة وعناصر الشرطة إلى الإضراب احتجاجاً على نقص الموارد وتدهور ظروف العمل.
وقد أكدت النقابة الاشتراكية (ABVV-FGTB) أن رسالة الميزانية الحكومية “صارمة”، مطالبة المواطنين بالعمل لفترات أطول وبجهد أكبر مع تأمين أقل فيما يخص المعاشات والرعاية الصحية والقوة الشرائية. من جانبها، أعربت النقابة الليبرالية (ACLVB) عن أسفها لعدم استشارة النقابات من قبل الحكومة.

الحكومة بين سندان النقابات ومطرقة الديون
تأتي هذه التعبئة في وقت حساس، حيث تسعى الحكومة الائتلافية بقيادة رئيس الوزراء بارت دي ويفر، الذي تولى السلطة في فبراير الماضي، لفرض سياسات تقشفية واسعة النطاق لمواجهة عجز الميزانية الضخم والدين العام المرتفع. وقد وصف دي ويفر هذه المهمة بأنها “أصعب تمرين مالي تشهده بلجيكا منذ 25 عاماً”.
ورغم التوصل إلى اتفاق حكومي مؤخراً بشأن خطة طويلة الأمد لتقليص النفقات، تتضمن مضاعفة الضريبة على الحسابات الاستثمارية ورفع ضريبة القيمة المضافة على بعض المنتجات، فإن الأحزاب الخمسة المشاركة في الائتلاف الحاكم لا تزال منقسمة حول نطاق الإصلاحات وكيفية تحقيق التخفيضات الجديدة في الميزانية بالتزامن مع زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري. ويُعد هذا الإضراب فرصة للنقابات للضغط على الحكومة المستمرة في مفاوضاتها.
وقد شهدت مظاهرة مماثلة في أكتوبر الماضي مشاركة نحو 80 ألف شخص، بينما قدرت بعض النقابات العدد بنحو 140 ألفاً، في إشارة إلى حجم السخط الشعبي المتزايد. ودعت النقابات الحكومة إلى انتهاج سياسات بديلة تعتمد على العدالة الضريبية، مثل فرض ضرائب على الثروات الكبيرة وعلى الشركات الرقمية العملاقة.



